عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
129
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
حكم اللَّه أن لا يتبعوهم وإثبات للحسد ، والثاني رد من اللَّه لذلك وإثبات لجهلهم بأمور الدين . قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّه أَجْراً حَسَناً وإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 16 ) لَيْسَ عَلَى الأَعْمى حَرَجٌ ولا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ومَنْ يُطِعِ اللَّه ورَسُولَه يُدْخِلْه جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ومَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْه عَذاباً أَلِيماً ( 17 ) * ( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرابِ ) * كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذم وإشعارا بشناعة التخلف . * ( سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) * بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، أو المشركين فإنه قال : * ( تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) * أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام لا غير كما دل عليه قراءة « أو يسلموا » ، ومن عداهم يقاتل حتى يسلم أو يعطي الجزية . وهو يدل على إمامة أبي بكر رضي اللَّه عنه إذا لم تتفق هذه الدعوة لغيره إلا إذا صح أنهم ثقيف وهوازن فإن ذلك كان في عهد النبوة . وقيل فارس والروم ومعنى * ( يُسْلِمُونَ ) * ينقادون ليتناول تقبلهم الجزية . * ( فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّه أَجْراً حَسَناً ) * هو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة . * ( وإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) * عن الحديبية . * ( يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) * لتضاعف جرمكم . * ( لَيْسَ عَلَى الأَعْمى حَرَجٌ ولا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) * لما أوعد على التخلف نفى الحرج عن هؤلاء المعذورين استثناء لهم عن الوعيد . * ( ومَنْ يُطِعِ اللَّه ورَسُولَه يُدْخِلْه جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * فصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته ، ثم جبر ذلك بالتكرير على سبيل التعميم فقال : * ( ومَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْه عَذاباً أَلِيماً ) * إذ الترهيب ها هنا أنفع من الترغيب ، وقرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بالنون . لَقَدْ رَضِيَ اللَّه عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( 18 ) ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّه عَزِيزاً حَكِيماً ( 19 ) * ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّه عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) * روي : أنه صلَّى اللَّه عليه وسلم لما نزل الحديبية بعث جوّاس ابن أمية الخزاعي إلى أهل مكة ، فهموا به فمنعه الأحابيش فرجع ، فبعث عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه فحبسوه فأرجف بقتله ، فدعا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أصحابه وكانوا ألفا وثلاثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة ، وبايعهم على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا عنهم وكان جالسا تحت سمرة أو سدرة . * ( فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ ) * من الإخلاص . * ( فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ) * الطمأنينة وسكون النفس بالتشجيع أو الصلح . * ( وأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) * فتح خيبر غب انصرافهم ، وقيل مكة أو هجر . * ( وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ) * يعني مغانم خيبر . * ( وكانَ اللَّه عَزِيزاً حَكِيماً ) * غالبا مراعيا مقتضى الحكمة . وَعَدَكُمُ اللَّه مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِه وكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 20 ) وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّه بِها وكانَ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 21 ) * ( وَعَدَكُمُ اللَّه مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ) * وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة . * ( فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِه ) * يعني مقام خيبر . * ( وكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ) * أي أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان ، أو أيدي قريش بالصلح . * ( ولِتَكُونَ ) * هذه الكفة أو الغنيمة . * ( آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) * أمارة يعرفون بها أنهم من اللَّه بمكان ، أو